أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

138

عجائب المقدور في نوائب تيمور

ذكر ما نجم من النفاق ، بين العساكر الاسلامية وعدم الاتفاق وكان أتابك العساكر ، وكافل الملك الناصر ، الأمير الكبير باش بيك ، وتحت يده الأكابر والأصاغر ، والجند وإن كان مدده كثيرا ، والجيش وإن تراآى عدده غزيرا ، لكن كان كل منهم أميرا ، ولم يكن شيء منهم سوى الرأس صغيرا ، فتشتت آراؤهم ، وتصارمت أهواؤهم ، وانتقلت أشعار شعارهم من الدائرة المؤتلفه ، إلى الدائرة المختلفة ، ونقل كل منهم عن وزن بيته إلى أعاريض ، وأخذ في عرض صاحبه بالتقاريض ، وظهرت في تلك الساعة آيات الرحمن ، في اختلاف الألسنة والألوان ، وصاروا في رعاية الرعية كالذئب والضبع ، وسلطوا على مرعى هزيلها النمر الغضوب والسبع ، ولحق في سند هذا الحديث الأصاغر بالأكابر ، والأسافل بالأعالي ، والأوائل بالأواخر ، وصاروا كما قال الشاعر شعرا : تفرّقت غنمي يوما فقلت لها * يا رب سلط عليها الذئب والضبعا وتوجه منهم رؤوس إلى القاهرة ، تاركا كل منهم قوته وناصره ، وصدقوا تيمور في نفيه عنهم معرفة السياسة ، والدربة في سلوك طرائق الرياسة . فصل : ولما علم الغابرون ، ما فعله السائرون ، لم يسعهم غير تشمير الذيل ، واتباعهم تحت جنح الليل ، ومن تخلف عن قوم ، أو أخذته سنة أو نوم ، وقع في الشرك ، وهوى به إلى أسفل الدرك ، وكان الناس في الليل والنهار ، ملازمين للإقامة على الأسوار ، وكل قد فرح وابتهج ، وتيقن أنه حل له من سلطانه فرج ، ففي بعض الليالي ، صعد الناس إلى مكان عالي ، وإذا بأماكن مخيم السلطان ، قد ملئت من النيران ، ولم يعرف أحد ما الخبر ، غير أن الدنيا ملئت بالشر والشرر ، وأصبحوا وقد خلت الديار ، ولم يبق في قبة يلبغا نافخ نار ، فخشعت أصواتهم ، وسكنت حركاتهم فجعلوا يتهافتون ، وفيما بينهم يتخافتون ، وماج الشر